محمد سعيد رمضان البوطي
199
فقه السيرة ( البوطي )
فإنهم يصبحون خلقا آخر جديدا ، وسينتزعون انتصارهم من بين شدقي الموت وسيتغلبون على أعدائهم ، مهما كانت العقبات والسدود . وإذا سألت عن السبيل إلى مثل هذه المحبة ، فاعلم أنها في كثرة الذكر وكثرة الصلاة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي كثرة التأمل والتفكر في آلاء اللّه ونعمه عليك ، وفي سيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأخلاقه وشمائله ، وهذا كله بعد الاستقامة على العبادات في خشية وحضور ، والتبتل إلى اللّه عز وجل بين الحين والآخر . عاشرا : وقد رأينا فيما يرويه البخاري رضي اللّه عنه ، أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أمر بدفن قتلى المسلمين بدمائهم ولم يصلّ عليهم ، وجمع بين الرجلين في قبر واحد ، وقد استدل من ذلك العلماء على أن الشهيد في معركة الجهاد لا يغسل ولا يصلى عليه ، بل يدفن بدمائه ، قال الشافعي رضي اللّه عنه : جاءت الأحاديث من وجوه متواترة أنه لم يصل عليهم ، وأما ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم ، صلى عليهم عشرة عشرة ، وفي كل عشرة حمزة ، حتى صلى عليه سبعين مرة فضعيف وخطأ « 1 » . كما استدلوا بذلك أيضا على أنه يجوز عند الضرورة الجمع بين أكثر من واحد في القبر ، أما بدون ضرورة فلا يجوز . حادي عشر : وإذا تأملنا فيما أقدم عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أصحابه فور عودتهم إلى المدينة من الخروج ثانية للحاق بالمشركين - اتضح لنا درس معركة أحد اتضاحا كاملا ، وتبين لنا كل من نتيجتيها : السلبية والإيجابية ، وظهر لنا بما لا يدع مجالا للتوهم أن النصر إنما يكون مع الصبر وإطاعة أوامر القائد الصالح واستهداف القصد الديني المجرد . فقد رأينا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يكد يؤذّن في الناس للخروج مرة أخرى لطلب العدوّ ، حتى تجمع أولئك الذين كانوا معه بالأمس ، من بعد ما أصابهم القرح ، وأنهكتهم الجروح والآلام ، ولم يسترح أحد منهم بعد في بيته أو يفرغ للنظر في حاله وجسمه ، وانطلقوا خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبتغون المشركين الذين لم تخمد بعد في رؤوسهم جذوة النشوة بالنصر ، ولم يكن فيهم هذه المرة من يطمع في غنيمة أو غرض دنيوي ، وإنما هو التطلع إلى النصر أو الاستشهاد في سبيل اللّه ، وهم يسوقون بين يدي ذلك جراحاتهم الدامية ، وقروحهم المؤلمة . فما الذي كان من نتيجة ذلك ؟ . لا نشوة الظفر أو لذة الانتصار ربطت على قلوب المشركين ليتمموا نصرهم
--> ( 1 ) راجع مغني المحتاج : 1 / 349 .